الشيخ محمد الصادقي
338
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
47 - وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ الموعود تحديا وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ دون استعجال وَإِنَّ يَوْماً من العذاب عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ في أي عذاب ، فلما ذا - إذا - الاستعجال ، فالطويل عندكم هو عند اللّه قصير يسير ، وقد يعني " ألف سنة " التكثير الكثير ، دون خصوصه ، ولمكان " خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ " في أخرى . 48 - وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ مجتمع إنساني أَمْلَيْتُ لَها الحياة إمهالا وَ الحال هِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ في نهاية المهلة أَخَذْتُها تدميرا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ في كل مسير . 49 - قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما ليس إلا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ بين يدي عذاب شديد مُبِينٌ لنذارتي بكل بيان ، تكملة لكل حجة تبين الحق . 50 - فَالَّذِينَ آمَنُوا باللّه وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لإيمانهم باللّه لَهُمْ مَغْفِرَةٌ رفعا لأخطاء ، ودفعا عن أن تحصل وَرِزْقٌ كَرِيمٌ هنا وفي الأخرى . 51 - وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي إبطال آياتِنا مُعاجِزِينَ محاولة لعجز عن فاعلياتها ، وعجز عن الإيمان بها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ هنا وفي الأخرى ، مهما ظهرت ملكوتها فيها . 52 - وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ حامل وحي وَلا نَبِيٍّ صاحب رفعة في وحي الرسالة ، فكلاهما مرسلان ، إلا أن الثاني نبي بين الرسل إِلَّا إِذا تَمَنَّى ما يتمناه الرسل من تطبيق رسالاتهم ، دون تمني أصل الرسالة فإنها حاصلة ب " أرسلنا . . " فذلك تمنّ بعد الرسالة وهو تطبيقها ، ولكن أَلْقَى الشَّيْطانُ من إنس وجان فِي أُمْنِيَّتِهِ أن يصد عن قبولها وتطبيقها ، فيضلّل المكلفين بها ، أو يحرّف رسالة الوحي لفظا أو معنى فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ بين الرسل والمرسل إليهم ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ الرسالية بين المكلفين بعد ما أحكم آياته الرسولية في الرسل أنفسهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما يلقي حَكِيمٌ كيف يلغي . 53 - لِيَجْعَلَ اللّه العليم الحكيم ما يُلْقِي الشَّيْطانُ في أمنيات الرسل والنبيين فِتْنَةً شر لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ الارتياب وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ عن ذكر اللّه وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ والشقاق بينهم وبين الحق بَعِيدٍ المصافة والمسافة : " وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ " ( 6 : 113 ) فصاغي الحق مسوق إلى الحق ، وصاغي الباطل مسوق إلى الباطل . 54 - وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ : الإيمان العالم أَنَّهُ الْحَقُّ ولذلك ينسخ اللّه ما يلقي الشيطان تأييدا للذين أوتوا العلم مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ إيمانا زائدا فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ تخضعا كاملا شاملا بعد ما أخبتت له عقولهم فصدورهم وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا بالحق لمرحلة أولى إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لا يزل بهم عن جادة الحق : " يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ " ( 58 : 11 ) . 55 - وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ : الحق حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وهم أحياء ، ساعة القيامة أو ساعة الموت أو الرجعة أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ يعقم عذابه حياتهم فيستأصلهم عن بكرتهم . ذلك ، فلا يعني " أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ " إلقاء شيطانيا في قلوبهم ، بل في رسالاتهم ونبواتهم بينهم وبين المكلفين ، إذ لا أمنية لهم إلا تحقق بلاغاتهم ، وكما تشهد الآيات .